محمد غازي عرابي

1053

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

[ الرحمن : 43 ، 78 ] النتيجة الناجمة عن فعل قانون السببية أن الناس فريقان ، فريق هم أصحاب النار المبعدون المجرمون ، وفريق هم أصحاب الجنة ، والجنة جنات ، منها جنتان ، جنة المكاسب أو الخلد ، وجنة المواهب ، وكلتاهما تكون لأصحاب الصفات الجميلة يتبوؤن منها مقاعدهم ، ومقاعدهم الصفات نفسها ، ومقاعدهم فرش متكئون عليها ، أي أنهم متكئون على صفاتهم التي ترفعهم من بين الناس ، وتجعلهم زينة وقبلة الأنظار ، قد وهبوا هذه الأزواج من الحور المعقولات ، واللّه وحده هو الوهاب ، يؤتي الحكمة من يشاء من عباده ، ويجعل التقي تقيا ، والعالم عالما ، والنبي نبيا ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم في جنة المواهب : ( لا يدخلها أحد بعمله ) ، فقالوا : ولا أنت يا رسول اللّه ؟ فقال : ( ولا أنا ، إلا أن يتغمدني اللّه برحمته ) ، وأنشد ابن عربي في الكواعب : كل ما أذكره من ملل * أو ربوع أو معان كل ما أو خليل أو رحيل أو ربى * أو رياض أو غياض أو حمى أو نساء كاعبات نهد * طالعات كشموس أو دمى كل ما أذكره مما جرى * ذكره أو مثله أن تفهما صفة قدسية علوية * أعلمت أن لصدقي قدما فاصرف الخاطر عن ظاهرها * واطلب الباطن حتى تعلما وثمت جنتان أخريان هما جنة المعارف ، وسماها الجيلي جنة الفردوس ، وجنة القرب وسماها صلّى اللّه عليه وسلّم المقام المحمود ، وهاتان الجنتان تورثان العلم اللدني ، في حين أن الجنتين الأوليين تورثان الصفات ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( أوتيت ليلة أسري بي ثلاثة علوم ، فعلم خيرت في تبليغه ، وعلم أمرت بتبليغه ، وعلم أخذ علي كتمه ) ، وعن أبي ذر : إذا أراد اللّه بعبد خيرا فتح له قفل قلبه . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( سألني ربي فلم أستطع أن أجيبه ، فوضع يده بين كتفي بلا تكييف ولا تحديد ، فوجدت بردها ، فأورثني علم الأولين والآخرين وقال فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ، وقال : العلماء ورثة الأنبياء ) . ووصفت الجنتان الأخيرتان بأنهما مدهامتان ، أي شديدتا الخضرة ، ضاربتان إلى سواد ، والإشارة إلى بلوغ شجرة سدرة المنتهى نفسها ، جامعة المعقولات الصرفة التي يدخلها كل يوم سبعون ألف ملك فلا يعودون إليها ، فهاهنا تفنى الملائكة المعقولات في ليل الغيب